مشاركة

بعد هزيمة الموحدين في معركة العقاب عام 1212م، تدهورت الدولة على جميع مستوياتها، وتولى الحكم خلفاء ضعاف لم يتمكنوا من الحفاظ على السلطة. حين حاولوا استعادة النظام، واجهوا قوة القبائل المغربية التي نمت حول الأندلس.[١]
وقد أدّى ذلك إلى انهيار الدولة وفقدان قوتها، حيث تقاسم القبائل الحكم فيما بينها: بني مرين في المغرب الأقصى، وبني زيان في المغرب الأوسط، والدولة الحفصية في تونس.[١]
الدولة الحفصية هي الدولة الإسلامية الرابعة في تونس. أسسها أبو زكريا الحفصي، وهو من أحد القبائل البربرية التي عاشت في أقصى المغرب العربي. كان يشغل منصب والي الدولة الموحدية في تونس. واستغل الضعف الذي ساد حكامها في تلك الفترة، فأعلن الاستقلال دون مقاومة، ليصبح الحكم في تونس تحت راية الدولة الحفصية.[١]
استخدم أبو زكريا هذه الأسباب كذريعة لرفض البيعة لإدريس المأمون، وأعلن استقلال تونس تحت شعار الدولة الحفصية. وقد نجح في إخضاع معظم القبائل المحيطة له، وبايعه سكان شرق الأندلس.[٢] كما استُنصره أهل بلنسية للدفاع عنها عند حصارها، فأرسل إليهم سفنًا محملة بالعتاد والمؤن والرجال. لكن الحصار الشديد من قبل العدو كان أقوى، فما كان منهم إلا أن استسلموا.[٢]
مع ارتفاع شأن الدولة الحفصية في عهد الأمير أبي زكريا، أصبحت ذات مكانة بين المدن المجاورة، وخطب إليها الجميع وعهد إلى صداقتها. وكانت الدول الأوروبية من أول من سعى إلى بناء علاقات معها، خاصة من أراد تأمين اقتصاده وضمان الأمن المتبادل للتجارة البحرية آنذاك. وتم التوصل إلى اتفاقيات متعددة بين الدولة الحفصية وبيزا وجنوة والبندقية.
تضمنت هذه المعاهدات ضمان سلامة القوافل التجارية، وضع لوائح للتبادل التجاري، والاعتراف بقناصل النصارى ومنع فرض المسؤولية الجماعية على ممتلكاتهم. واستطاع أبو زكريا تأمين خزينة الدولة بثروات كبيرة خلال فترة حكمه. وكانت دولته ملاذًا لمن فرّ من الأندلس جراء سقوطها، وازدهروا بعهده، وتولوا المناصب القيادية، كما أنعشوها بمعالم الحضارة الرفيعة التي حملوها من دولتهم المنكوبة.










