مشاركة

في الشتاء، تختبئ الشمس خلف الغيوم، لتُرسل أشعتها الناعمة، مما يُحيي الأرض. ويُرسم السماء معالم الألوان الطيفية، حيث كل لون يحمل بشرى الربيع. يعلّمنا الشتاء ألا نفقد الأمل؛ فالعواصف تُعقبها المطر، والغيوم تُعقبها الشمس، وبعد الشتاء يأتي الربيع. ما أعظم هذا الفصل الذي عنوانه الخير والعطاء!
يأتي فصل الشتاء مُحَمّلًا بالبركات والخيرات. فيستمر التوازن في الأرض عبر الأمطار، فلا تنضب ثروتها، وتُرَوَّي البحار والمحيطات بالماء بعد أن تبخرت قطراتها. وتبقى الأرض خضراء تحت غطائها، ولا تصفر. تُولد الأشجار من جديد ببراعمها وأوراقها بعد أن ذبلت وتساقطت. وتخرج أزهار النرجس الجميلة برائحتها العطرة في الشتاء. قال أحد الشعراء:
جودي علينا يا سماء
قد جاءنا فصل الشتاء
فصل الغيوم الراعدة
فصل الثلوج الواعدة
بالإضافة إلى ما سبق، تسقط الأمطار لتُمتلئ القلوب رحمةً وتآلفًا. تتجمع العائلات، وتتآلف القلوب، وتلتقي حول بعضها لتستمد الدفء والحنين من خلال سرد القصص والحكايات الجميلة. في الشتاء، تختبئ الكائنات وتُقيم في جحورها، وتستعد لموسم الربيع. وفصل الشتاء يُعتبر فصلًا طويلاً، يُريح المتعبين، ويُؤنس المحبين، ويُتيح فرصًا أكبر للعبادة للعابدين. وقد غنّى الشعراء هذا الفصل، فما أجمله!
بعد طول انتظار، يُطل فصل المطر ليُكمل دورة الفصول الأربعة. فيُحيي الأرض بماء السماء المنهمر بعد أن جفت وتفطّر قلبها من الحر والعطش. وتهيأ لتُلبس ثوبها الأخضر المطرز بكل ألوان الحياة وأشكالها. إنه فصل النمو والعطاء، والرحمة والخير، وهو فصل الدهشة والمغامرة والفرح.
فيه تُرْوَى الأرض بالمطر، فيُفوح منها رائحة التراب الزكية. وتُغطى الأرض بجزيئات الثلج الناصعة، لينطلق الصغار والكبار للمرح واللعب. وفي مظاهره تُدهش العقول: لمعان السماء بالبرق تارةً، وصوت الرعد الذي يُرهب الأسماع تارةً أخرى، وحركة الغيوم السوداء المثقلة بالمطر، مظاهر تدل على عظمة الخالق. قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ).[١]
فصل الشتاء قصة لا تنتهي، وشهادة على عظمة الخالق الذي بدى السماوات والأرض. وهو إثبات على أن المصاعب والأحزان لا تدوم، فالفرج قادم لا محالة. حين تشعر بقطرات المطر تهمس بأذنيك: الأمل لا ينقطع أبدًا، والحياة مستمرة. كما أن المطر فيه يُشعرنا بالحنين إلى الماضي، إلى أيام الطفولة التي فقدناها.
في الختام، ما أجمل هذا الفصل! يرسم في عقولنا أجمل اللوحات: قطرات الماء المنزلقة على النوافذ، وألوان قوس قزح. فالشوق للشتاء ما أودعه في ضلوعنا من حياة لا تنتهي، فهو من زرع في قلوبنا الرحمة، وفي نفوسنا العطاء. ومن أجل قدومه، تُصلى الصلوات، وتُدعى الدعوات، لتعم الرحمات والبركات من رب الأرض والسماوات.










